الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

404

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تفسير آخر يقول : إن " مستقر " إشارة إلى روح الإنسان الثابتة والمستقرة ، و " مستودع " إشارة إلى جسم الإنسان الفاني غير الثابت . وقد جاء في بعض الروايات تفسير معنوي بهذين التعبيرين ، وهو أن " مستقر " تعني الذين لهم إيمان ثابت " ومستودع " تعني من لم يستقر إيمانه ( 1 ) . وثمة احتمال أن يكون هذان التعبيران إشارة إلى الجزئين الأولين في تركيب نطفة الإنسان ، إن النطفة - كما نعلم - تتركب من جزئين : الأول هو " البويضة " من الأنثى ، والثاني هو " الحيمن " أو " المني " من الذكر ، أن البويضة في رحم الأنثى تكاد تكون مستقر ، ولكن حيمن الذكر حيوان حي يتحرك بسرعة نحوها ، وما أن يصل أول حيمن إلى البويضة حتى يمتزج بها و " يخصبها " ويصد ( الحيامن ) الأخرى ، ومن هذين الجزئين تتكون بذرة الإنسان الأولى . وفي ختام الآية يعود فيقول : قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون . عند الرجوع إلى كتب اللغة يتبين لنا أن " الفقه " ليس كل معرفة أو فهم ، بل هو التوصل إلى علم غائب بعلم حاضر ( 2 ) ، وبناء على ذلك فالهدف من التمعن في خلق الإنسان واختلاف أشكاله وألوانه ، هو أن يتوصل المرء المدقق من معرفة الخلق إلى معرفة الخالق . الآية الثانية هي آخر آية في هذه المجموعة التي تكشف لنا عن عجائب عالم الخلق وتهدينا إلى معرفة الله بمعرفة مخلوقاته . في البداية تشير الآية إلى واحدة من أهم نعم الله التي يمكن أن تعتبر النعمة الأم وأصل النعم الأخرى ، وهي ظهور النباتات ونموها بفضل النعمة التي نزلت من السماء : وهو الذي أنزل من السماء ماء . وإنما قال ( من السماء ) لأن سماء كل شئ أعلاه ، فكل ما في الأرض من

--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 750 . 2 - مفردات الراغب ، ص 385 .